منتدى فاطمه سعد الدين


 
التسجيلدخولالرئيسيةالمجموعات

شاطر | 
 

 روائع من القصص العالمي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فاطمه سعد الدين
الادارة
الادارة


المساهمات : 223
تاريخ التسجيل : 30/12/2007

مُساهمةموضوع: روائع من القصص العالمي   السبت أبريل 12, 2008 12:54 am

يسعدنى أن أنقل لكم بعض القصص العالمية المترجمة إلى العربية..

قصص تتشابك فيها الطقوس الفكرية و النفسية لكل دولة ..

لتتوحد في النهاية في نفس الذات الانسانية بكل عوالمها وتغيراتها وإبداعاتها ..

وأرجو من كل من الجميع أن يضع ماقرأه من قصص عالمية هنا لنستفيد منها

ونتعرف على مالدى الشعوب من جوانب وإبداعات فكرية

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فاطمه سعد الدين
الادارة
الادارة


المساهمات : 223
تاريخ التسجيل : 30/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: روائع من القصص العالمي   السبت أبريل 12, 2008 12:58 am

لـؤلؤة طـليطلة




بروسبيير ميرمي

ترجمة / عامر بن إبراهيم الجهني

قصة من التراث الأسباني


من يستطيع أن يقول ما إذا كانت الشمس أكثر جمالا وقت الفجر أم وقت الغروب؟ من يستطيع أن يقول ما إذا كانت شجرة الزيتون أكثر جمالا من شجرة اللوز؟ من يستطيع أن يقول ما إذا كانت الأندلس هي التي أنجبت أشجع الفرسان أم فالنسيا؟ وأي الرجال يستطيع أن يقول من هي أجمل امرأة؟ أنا سأقول لكم من هي الأكثر جمالا على الإطلاق! إنها (أورورا- لؤلؤة طليطلة)!
صرخ (سوزاني) الأسمر على الجميع بأن يأتوه برمحه وترسه، ثم أمسك الرمح بيده اليمنى بقوة وترسه يتدلى من على عنقه. نزل من القصر إلى اسطبله وبأوامره الصارمة جمع خيوله الملتهبة والمعدة للقتال وعددها أربعون فرسا. بدأ سوزاني بفحصها بعناية ثم قال: "(بيرجا) هي أسرعها جميعا وفرس يعتمد عليها أكثر من الخيل الباقية، وعلى ظهرها القوي سأخطف (لؤلؤة طليطلة)، ستكون لي وسأفوز بها، واحلف بالله لو لم يحدث ذلك فلن تراني قرطبة أبدا."
بعد ذلك بدأ رحلته، وركب فرسه السريعة إلى أطول مسافة يستطيع الإثنان أن يقطعاها ليصلا إلى طليطلة، وبكل مشقة وصل (سوزاني) إلى بلدة تدعى (زوكاتين) حيث قابل فيها رجل عجوز. قال له :"أيها العجوز- ذو اللحية البيضاء- خذ هذه الرسالة واحملها إلى (دون غوتيرا دي سالدانا) وقل له لو كان رجلا بمعنى الكلمة ليأت ويقابلني في معركة بيني وبينه فقط وذلك عند (نبع ألمامي) والفائز فقط سيحظى بــ (لؤلؤة طليطلة).
أخذ الرجل العجوز الرسالة وحملها إلى (الكونت سالدانا) وعند وصول الرجل العجوز كان الكونت جالسا يلعب الشطرنج مع (لؤلؤة طليطلة). قرأ الكونت الرسالة وبقبضة يده المغلقة ضرب الطاولة بقوة لدرجة أن جميع أحجار الشطرنج سقطت على الأرض. ثم نهض ونادى بأعلى صوته ليأتوا له برمحه وجواده. فزع الجميع من تصرف الكونت. نهضت (لؤلؤة طليطلة) بعد أن لاحظت أن الكونت سيذهب إلى معركة ما وقالت له :"سيدي غوتيرا دي سالدانا، بالله عليك لا تذهب، إبق معي وأكمل لعبة الشطرنج."
قال الكونت: "لن ألعب الشطرنج بعد الآن، يجب علي أن ألعب لعبة أخرى حالا، لعبة مبارزة الرماح عند (نبع ألمامي)."
لم تجد دموع (أورورا) نفعا، لذا أخذت عباءتها وامتطت حصانها وذهبت إلى النبع وراء الكونت..
وحول النبع كان لون العشب قرمزيا وكذلك كان لون مياه النبع. ربما تحول لون العشب والمياه من الأخضر إلى هذا اللون بسبب دم أحد الفرسان! لا أحد يدري..
على العشب رأت (لؤلؤة طليطلة) (سوزاني) يرقد على العشب ووجهه الشاحب ينظر إلى السماء ورمح (الكونت غوتيرا) يخترق صدره، ودمه ينزف منه حتى الموت، قطرة قطرة، وفوق رأسه تقف فرسه المخلصة (بيرجا) تنظر إليه وهي تنتحب من العجز لعدم مقدرتها إنقاذ سيدها.
نزلت (لؤلؤة طليطلة) من على حصانها مسرعة وقالت: "لا تمت يا سيدي العزيز، لا تمت وسوف تعيش طويلا إلى أن تتزوج من امرأة مغربية رائعة الجمال، إن يدي ستشفي جرحك الذي سببه لك رمح سيدي الفارس كونت سالديانا ببراعة."
نظر إليها (سوزاني) وهمس قائلا :"آه.. أيتها اللؤلؤة البيضاء.. آه.. أيتها اللؤلؤة الجميلة.. اسحبي من صدري رأس الرمح الذي مزقه.. إن برودة الحديد يثلجني ويجمد قلبي."
وبكل ثقة ورحمة اقتربت منه، لكنه ، وفي آخر رمق له ، جمع قواه الخائرة وغرز سيفه المسنن في وجهها وقلبه ينزف بالحب والحنان
..

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فاطمه سعد الدين
الادارة
الادارة


المساهمات : 223
تاريخ التسجيل : 30/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: روائع من القصص العالمي   السبت أبريل 12, 2008 1:01 am

أوراق



الكاتب : جون أبدايك

ترجمة :كاظم الحلاق


أوراق الأشجار خارج نافذتي تبدو رائعة بشكل استثنائي، إنها كغريب تقترب مني، بعد ظلام طويل من الاستغراق في الذات والخوف والخجل من حياتي التي أعيشها. تلك الأشياء جميلة، لأنها لا تعتمد على كوارثنا، وباستمرار تحافظ على دقتها العملية، ووفرتها الإبداعية التي تحققها دون جهد، والتي هي من سمات وخصوصية الطبيعة.

الطبيعة هذا الصباح تبدو رائعة جدا، حيث يمكن تحديدها بانها ذلك الشيء الذي يوجد دون شعور بالإثم، إن أجسادنا في الطبيعة، أحذيتنا وأربطتها بطرفها البلاستيكي الصغير. كل شيء بتعلق بنا وما حولنا في الطبيعة، ومع هذا فان ثمة شيء ما يبعدنا عنها، كتيار الماء المندفع للأعلى والذي يمنعنا من ملامسة القاع الرملي وهو يتضلع ويضيء بأجزاء هلالية من قشرة المحار، الواضحة جدا لعيوننا.

طائر أبو زريق(1) يحط على الغصن خارج نافذتي، انه يبدو ثابتا للحظات وهو يقف برجليه المنفرجتين، قائمتاه الخلفيتان باتجاهي، رأسه ساكن تقريبا في صورته الظلية، الأنحاء المفترس لمنقاره منطبعا في الفضاء الأبيض فوق المستنقع المضبب الداكن، انظرْ له، اني أراه، مانعا نفسي من متابعة سلسلة أفكاري. مددت يدي عبر الزجاج ومسكته وطبعته على الورقة، الآن اختفى، ومع ذلك ثمة بضعة سطور، في الأعلى انه ما زال منفرج الرجلين، كفله الأسمر، رأسه متجمد، خدعة رائعة و ربما غير مفيدة، لكنها خاصتي.

أوراق العنب حينما لا تكون متداخلة في ظلال بعضها انها ذهبية، أوراق كامدة اللون، تأخذ ضوء الشمس دون ان تعكسه، محولة الضوء المحض بجموع أطيافه ومصدره الحياتي، إلى باستيل اصفر كالذي يستخدمه الأطفال في ألعابهم. هنا وهناك ثمة ذبول تحولي، وذلك المتبقي يشع في لون برتقالي متوهج واللون الأخضر للأوراق التي لا زالت طرية، يواصل اخضراره حتى الخريف. اذا تطلعنا محدقين عبر ضوء الشمس فاننا نرى الخضرة الشاحبة للعروق الدقيقة. ظلال هذه الأوراق تسقط على بعضها، وبالرغم من انها مضطربة وغير منتظمة في الريح التي ترسل خشخشة كانسة ومسرعة عبر السقف، ومع هذا انها مختلفة وواضحة إلى حد ما، منطوية على عدد لا يحصى من الإيحاءات المتوحشة، سيوف، أجسام ناتئة، رماح بحواف بارزة متشعبة وخوذ مخيفة، على أية حال في النتيجة النهائية انها غير شريرة. بل على العكس ان تعقيدها يوحي بالإيواء والانفتاح. الدفء والنسيم يدعواني إلى الخارج، عيناي ترتادان الأوراق في البعيد، إنني محاط بالأوراق، أشجار السنديان بأكف صغيرة من اللون البرتقالي، أشجار الدردار بأرياش ضئيلة من الأصفر المبهج، أشجار السماق بلون وردي متوحش. إنني مأخوذ بالهدوء والكون متوهجا بالأوراق. ومع ذلك فان شيئا ما يجرني للوراء، عائدا بي إلى عتمتي الداخلية حيث الإثم هو الشمس.

الأحداث بحاجة إلى إيضاح، لقد أخبرت بأنني أتصرف بعبث وهذا يحتاج إلى وقت لدمج هذا التعبير الجمعي مع حقي التام في القيام بأفعالي الخاصة، على أية حال، اعترف بأنني أخطأت، الأفعال تجسدت، ومتى ما توضحت الأحداث فأن الأفعال تكون لها دوافعها، وتعطى المواقف النفسية للممثلين، الأخطاء ستضاف والشذوذ سيسمى، وان كل النمو الصاخب والغير معتنى به سيشذب بواسطة الشرح واصول النمو المتجذرة في التاريخ، ثم يعود ثانية كما كان، إلى الطبيعة. ماذا أذن؟ أليس هكذا رجوع زائف؟ا بمقدور أرواحنا دخول ملاذ زمن الفناء والغرق برباطة جأش بين انحلال الأوراق؟ لا: اننا نقف في تقاطع مملكتين وليس ثمة تقدم او تقهقر، فقط حافة مستدقة حيث نقف.

أتذكر بوضوح حاد سواد ثوب زوجتي عندما غادرت منزلنا لتحصل على الطلاق، كان الثوب من الساتان الأسود الناعم وبتطريز عند الرقبة، وكانت هيلين تبدو فاتنة فيه، انه ينسجم وشحوبها، هذا الصباح خاصة كانت رائعة، كان وجهها أشهب كليا ومتعبا، ومع ذلك بقي جسدها ذلك الشيء العائد للطبيعة متجاهلا كارثتنا، وظل مظهرها وإيماءاتها اعتيادية دون تنافر، قبلتني بشكل خفيف وهي تغادر، وكلانا شعر بان دعابة هذه الرحلة غير فعالة، بعكس أية رحلة من رحلاتها إلى بوسطن لحضور السمفونية أو إلى بانويت، كانت تتحرك بنفس طريقتها في البحث عن مفاتيح السيارة، نفس الإرشادات السريعة لحاضنة الأطفال، ونفس إمالة رأسها المندفع وهي تجلس وراء مقود السيارة. في النهاية كنت راضيا، مطلقا، دارسا وضع أطفالي بعيني شخص تركهم، فاحصا منزلي كشخص يسترجع لقطات فوتوغرافية لزمن لا يستعاد، سائقا سيارتي حول الحديقة المتعطفة مثل رجل يرتدي سترة واقية ويقطع طريقه عبر النار، كنت أتوقع بان زوجتي تبكي الا انها كانت تبتسم، مذهولة إلا انها جريئة، وأحسست برعب لم اقدر على إيقافه، العتمة الداخلية مزقت أحشائي واحاطت بنا كلانا وأغرقت حبنا.ارتد قلبي للوراء، وما زال، لقد تقهقرت، العالم الطبيعي الذي انوجد فيه حبنا كفّ عن الوجود، عدت بسيارتي، أوراق الأشجار على امتداد الطريق أخبرتني عن أشكالها. ليس ثمة قصة لتقال، عبر التلفون مسكت ظهر زوجتي، وسحبتها من سواد ثوبها ناحيتي، ثم استعديت للألم.

الألم لم يتوقف عن المجيء، كل يوم تقريبا، حصة جديدة تأتي بالبريد، أو بواسطة وجه ما، او بالتلفون، كل يوم لم يتوقف الهاتف عن الرنين، كنت أتوقعه ان يفكّ بعض الاشتباك الجديد للنتائج، جئت للاختفاء في هذا النزل، ولكن حتى هنا، ثمة هاتف، وأصوات الريح وغصون الأشجار الآزة، وحيوانات غير مرئية مشحونة بصمتها الكهربائي، ففي أية لحظة قد تنفجر آلامي وسيُحجب الجمال الغريب للأوراق ثانية.



بعصبية نهضت ومشيت عبر الأرضية، عنكبوت ابيض نجمي الشكل يتعلق في الهواء أمام وجهي، تطلعت إلى للسقف فلم اقدر أن أرى أين كان يعلق خيطه، كان السقف من الجص الناعم، العنكبوت توانى، لقد شعر بحضور جسم غريب ضخم، أرجله البيضاء البديعة امتدت باحتراس وبوزنه الخاص كان بتعلق مدوّما حول خيط لا مرئي. اصطدت نفسي اقف بطريقة طريفة وعتيقة الطراز لمخرّف(2) ناشدا ان يتعلم درسا من العنكبوت وصرت واعيا لنفسي، ثم أقصيت وعيي النفسي وحضرت بشكل جاد هذه اللحظة.. النجمة الممفصلة والمعلقة بشكل مدبب أمام وجهي، عاجزا عن قراءة الدرس، العنكبوت وأنا كنا متجاورين لكننا متعارضين كونيا، عبر الفجوة التي تفصل بيننا نشعر بالخوف فقط، الهاتف لم يرن. العنكبوت أعاد النظر في دورانه، الريح واصلت تحريك ضياء الشمس، في التمشي خارج النزل طبعتُ الأرضية ببضع أوراق ميتة انضغطت بتسطح كقصاصة كامدة اللون.

وماذا تكون هذه الصفحات سوى أوراق؟ لماذا أنتجها، لا لشيء سوى لتندفع بواسطة الخلق الذاتي إلى الطبيعة، حيث لا إثم؟ الآن المستنقع يمتد كسجادة، انه مخطط باللون الأخضر الداكن وسط مسحة من اللون البني، الأصفر، الأحمر، الأسمر، الكستنائي، وفي الجانب البعيد، حيث الأرض ترتفع فوق مستوى المياه، الأشجار دائمة الخضرة تقتحم الفضاء بتجهم، وخلفها ثمة هضبة زرقاء اللون منخفضة، في هذا الإقليم الساحلي، الهضاب متواضعة جدا لدرجة انها لا تحمل أسماء، لكني أراها للمرة الأولى خلال شهور، اني أراها كأصابع طفل تتشبث بجدار عال وخشن بينما رقبته ممدودة وهو ينظر إلى سقف احد البيوت.

تحت نافذتي يبدو المرج أخضر وبأعشاب هزيلة وهو يمتزج بالأوراق المتساقطة من شجرة الدردار الصغيرة، اني أتذكر كيف جئت في المرة الأولى لهذا النزل، مفكرا بأنني تركت منزلي ورائي، ذهبت للسرير وحيدا وشرعت في القراءة، كشخص يقرأ كتب متفرقة في منزل مستعار، بضع أوراق من طبعة قديمة ل( أوراق العشب)، كان نومي متقلبا، لدرجة اني خلال اليقظة شعرت كأنني ما زلت أقرا في الكتاب، ضوء السماء يرتجف عبر الأغصان العارية لشجرة الدردار الفتية، يبدو انها صفحة أخرى لوالت ويتمان، ومن ثم كنت متفتحا بشكل كلي وضائعا كامرأة مشبوبة العاطفة، حرة وواقعة في الحب، دون ظل في أي زاوية من كينونتي، كانت يقظة رائعة، ولكن في الليلة القادمة عدت إلى منزلي.

الظلال المتوحشة الجاثمة على أوراق العنب انتقلت، وزاوية الرؤية تبدلت، اني أتخيل الدفء يتكأ على الباب، افتح له الباب لأدعه يدخل، ضياء الشمس بتسطح يسقط على قدميّ كشخص نادم.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فاطمه سعد الدين
الادارة
الادارة


المساهمات : 223
تاريخ التسجيل : 30/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: روائع من القصص العالمي   السبت أبريل 12, 2008 1:02 am

الـــوردة



بقلم : البرتو مورافيا

ترجمة: وفاء شوكت


في شهر أيار، كانت توجد في حديقة هذا البيت الصغير في الضاحية، بالقرب من أشجار الورد، صفوف من الملفوف. كان المالك، وهو عجوز متقاعد، يعيش وحيداً مع طاهيته، يخلع سترته عند الغسق، ويلبس مئزراً من القماش المخطّط وينكش الأرض بالمعول، ويشذِّبها، ويسقيها ساعة، في انتظار وجبة العشاء. وكانت نساء الحيّ تستطيع رؤيته، وهن عائدات مساءً من الحدائق العامَّة مع أطفالهن، من خلال قضبان الشبكة المعدنية، فيما هو يوجِّه الفوارة على المساكب حاملاً خرطوم الماء بيده. وكان الرجل المتقاعد يقطف، من حينٍ لآخر، ملفوفةً، ويعطيها لطاهيته؛ أو يقص بالمقراض بعضاً من تلك الورود، ويضعها في زهرية في منتصف الطاولة، في قاعة الطعام. وعندما يجد وردة جميلة جمالاً خاصاً، كان الرجل المتقاعد يحملها إلى غرفته، ويضعها في كأس بعد ملئها بالماء، ويضعها على منضدةٍ قرب سريره. وكانت الوردة تبقى في الماء تنظر إلى رأس سرير العجوز، حتى تسقط أوراقها، وتتفتَّح كل بتلاتها مثل الأصابع، وتكشف عن قلبها الأشقر والوَبِر. لكن المتقاعد لم يكن يرمي الوردة إلا عندما يجد بتلاتها منثورةً على رخام المنضدة، ولا يوجد في الماء الذي فتر والمليء بالفقاعات سوى الساق المليئة بالأشواك.‏

وفي صباح أحد أيام شهر أيار، انقضَّت سيتونية(1) مذهَّبة كبيرة، تتبعها ابنتها التي لا تزال شابة، بعد أن حلَّقتا سدىً في حدائق المنطقة، ولم تجدا أية زهرة وقد شاهدتا، من بعيد، مساكب المتقاعد، انقضتا على ورقة شجرة زعرور جرماني، عريضة وقاسية؛ وهنا قالت الأم لابنتها بعد أن استردَّت أنفاسها: "ها قد وصلنا إلى نهاية تجوالنا. فإذا ما انحنيتِ ونظرت إلى الأسفل، سترين زهرات عدة لا تنتظر سوى مجيئك. فنظراً لصغر سنِّك، أردت حتى الآن مرافقتك ونصحك في اختيار الورود وعلاقاتك معها... كنت أخشى أن تتعرض صحتُكِ الجسدية والنفسية للخطر بفعل حداثة الأحاسيس وعنفها إضافة إلى النهم الخاص بشبابك، لكنني وجدت أنكِ سيتونية عاقلة، مثل باقي سيتونيات عائلتنا، وقرَّرت أن الوقت قد حان، من الآن فصاعداً، لكي تعتمدي على نفسك وتحلِّقي بأجنحتك نحو الورود التي تفضلين؛ فمن الأوفق إذاً أن نفترق نهاراً كاملاً؛ وسنعود ونلتقي على ورقة شجرة الزعرور هذه. لكنني سأعطيكِ قبل أن نفترق، بعض التوصيات. تذكّري أن السيتونية خلقت لتلتهم الورود. أو، على العكس، خلق الله الورود كي تتغذّى السيتونيات عليها. وبخلاف ذلك، فلسنا نجد لماذا تصلح هذه الورود. وإذا لم تجدي ورداً، أمسكي وامتنعي عن الطعام، فمن الأفضل تحمّل الجوع على مسّ غذاءٍ غير جدير بعِرقنا. ولا تصدِّقي مغالطات دود الأرض والرعاع الآخرين، الذين يدَّعون أن جميع الورود جيدة. هذا ما يبدو، في أول الأمر لكن بعد ذلك تنكشف بعض الأمور. وبعد أن ينقضي زمن الشباب، تكشف السيتونية التي انحطت، النقاب عن جميع نقائص انحطاطها المخجلة؛ وعليها، بعد أن يتم إبعادها عن قومها أن تقاوم صحبة الخنافس والزنابير والطفيليات، وقائمة طويلة أخرى من الهَنات(2). لأن الوردة، يا صغيرتي، هي غذاء إلهي، قبل أن تكون غذاءً مادياً. ومن جمالها، تنهل السيتونية جمالها هي. إنها أشياء غامضة، ولن أعرف أن أقول لكِ أكثر من ذلك. وأعرف ببساطة، أن بعض القوانين، التي تدعى، بدقةٍ، إلهية، لم تُنْتَهك أبداً دون عقاب. لكنكِ لست بحاجة لمثل هذه التحذيرات، فأنتِ سيتونية سويَّة ونزيهة، وتحكمين بالفطرة على بعض الأشياء. فإلى اللقاء، يا صغيرتي، إلى اللقاء هذا المساء." وبعد أن عبَّرت عن أفكارها على هذا النحو، طارت الأم الشجاعة، لأن وردة قرمزية ضخمة، تفتَّحت أوراقها قبل هنيهة، كانت الآن تستهويها، وتخشى أن تسبقها إليها سيتونية أخرى، أو أن تستميل صراحة، ابنتها.‏

وبقيت السيتونية الفتيَّة بضع دقائق أخرى على ورقة شجرة الزعرور تتملَّى حديث أمها. ثم طارت بدورها.‏

إن أحداً آخر غير السيتونية، لا يمكنه أن يتصوَّر ما هي الوردة لسيتونية. فتخيَّلوا الزرقة في شهر أيار، تجتازها موجات شمسية بطيئة، في حديقة مزهرة. وها هو سطح منتفخ وأبيض يظهر أمام عيني السيتونية المحلِّقة والتي يداعب ظلّها بتضاريسه المُهيبة، ويتوِّج الضوء حوافه المتألِّقة؛ سطح واسع وناعم، مماثلٍ لسطح ثدي مثقل بالحليب. إنها الورقة الخارجية لوردة بيضاء، لا تزال منغلقة، لكنها عريضة عند الأطراف، وتكشف عن أوراق أخرى متراصَّة وملتوية بعضها على بعض. وقد أثار هذا البياض الشاسع والبكر، الذي اكتسح فجأةً سماء عينيّ السيتونية، هيجاناً شرهاً، فاتناً ولاهثاً. وكان أول اندفاع شعرت به، هي أن تنقضَّ برأسها أولاً، على هذا اللحم الرائع غير المحمي، وتنهشه، وتمزِّقه لتدمغه بندبة استحواذها المسبق عليه. لكن حدسها أوحى لها بطريقة أكثر نعومة لولوج الوردة؛ وها هي تتشبَّث بحوافي ورقةٍ مفرطة وتتسلل إلى داخل الوردة. كان في الإمكان رؤية جسم السيتونية الأخضر- الذهبي برهة، مماثلاً ليد تندس بين أغطية سرائر من الكتَّان الأبيض، يتخبَّط بيأس، محاولاً شق طريقٍ لنفسه؛ ثم اختفى تقريباً، واستعادت الوردة، المنتصبة على ساقها، مظهرها المألوف، شبيهةً بفتاة شابة، تحتفظ تحت مظهر البراءة العذرية، بالسر الحارق لأول عناقٍ غراميّ لها. لكن، فلنتبع السيتونية في قرارة الوردة. كل شيء حولها ظلام؛ لكنه ظلام نديّ، ذكيّ الرائحة وناعم؛ ظلام يحيا ويخفق في ثناياها الخفيَّة، مثل ثنايا فمٍ مُشْتَهى؛ والسيتونية ذاهلة بعطر الوردة، مبهورة ببياضها الذي تسبره بين البتلات التي تنطبق ثانيةً، وقد اهتاجت بليونة هذا اللحم. وهي ليست سوى رغبة، كما أن الوردة ليست سوى غرام؛ وبحبٍّ جنوني فطري، بدأت تلتهم الأوراق. ليس الجوع، كما قد يُظن خطأ، ما يدفعها إلى تمزيق البتلات وخرقها، لكنها الرغبة المجنونة في الوصول إلى قلب الوردة بأسرع وقتٍ ممكن. إنها تعصر بين براثنها، وتمزِّق، وتقطِّع، وتخزق، وتجزِّئ. وفي الخارج، لا يشك أحد بأمر هذا الولوج المجنون؛ وتحتفظ الوردة المنتصبة والبِكْر تحت ضوء الشمس، بدون خجلٍ، بسرِّها. لقد كسرت السيتونية، في أثناء ذلك الوقت، بهيجانٍ متزايد، غلاف الوردة الأول، والثاني والثالث. وبمقدار ما كانت تلج، كانت الأوراق تصبح أكثر نعومة، وأزكى رائحة، وأكثر بياضاً. وشعرت السيتونية بأنه سيغشى عليها من المباهج، وأن قواها ستخور تقريباً، وتضرب ضربةً أخيرة ببراثنها، وتفتح في متراس البتلات القاتم، فتحة نهائية، وتُدْخِل رأسها أخيراً في الفرو الأبيض والمُسْكِر لغبار الطلع. وستبقى هنا، دائخة، ضائعة، منهكة وكأنها ميتة، في هذه الظلمات الندية والمعطّرة؛ لن تتحرَّك، وستبقى جامدة، ساعات، وأياماً كاملة. أما، في الخارج، فلم يُفْشِ أدنى ارتعاش للأوراق، تحت براءة أشعة شهر أيار، سرَّ الوردة المثير.‏

هذا هو قدَر السيتونية. لقد كانت هذه الشابَّة التي أعطتها أمها نصائحها التي تظنُّها غير ضرورية، تشعر في الواقع بأنها مختلفة، اختلافاً لا يُحدّ نهائياً، عن رفيقاتها من جنسها. شيء لا يصدَّق، لكنه صحيح: كانت الورود لا تعني لها شيئاً. وكانت سيتونيتنا تشعر، شعوراً عارماً، بأنها مدفوعة لتغيير هذه المشاعر الوراثية والحارَّة، التي تشعر بها السيتونيات نحو أجمل الورود المعطَّرة، منذ الأزمنة السحيقة، إلى اختيارات باردة وخشنة. كانت السيتونية قد اكتشفت باكراً جداً ميولها، ورأت، في مبادرةٍ أولية، أن تكاشف أمها بالأمر. لكنها فيما بعد، ومثلما يحدث دائماً في هذه الحالة، شعرت بالذعر من صعوبة اعترافٍ كهذا، وفي الوقت ذاته ومع شكِّها بالعلاج الأمومي، عدلت عن ذلك. وحاولت جاهدة ولثقتها بقدراتها الشخصية، إصلاح نفسها بنفسها. وهكذا حاولت متنقِّلة من وردةٍ إلى وردة، تحت عيني أمها العطوف، الحصول مع الرضى على هذه الرغبات التي كانت فطرتها ترفض إعطاءها لها. جهد ضائع. فما أن كانت تدخل بين الأوراق حتى تتوقَّف سريعاً، وكأنها مشلولة، وليس فقط غير مبالية، بل صراحةً، عرضة لنفورٍ لا يقاوم. وكان هذا اللَّحم الناعم يبدو لها مغموساً بشهوةٍ لزجة وعسليَّة، والروائح كعفونات مختلطة، والبياض كظلٍّ نجسٍ وفاحش. وكانت تحلم، وهي لا تزال جامدة ومشمئزَّة، بالملفوف الأخضر الطازج والشهي. فالملفوف لا يتزيَّن بألوان البطاقات البريدية المزيَّفة، ولا يتعطَّر بعطر البتشولي(3) المقزِّز والمريب، ولا يعرض بمحاباة هذه العذوبة المغثية. وقلب الملفوف مثير للشهية، يلتوي وهو يتعرَّج بين التِلَع(4)، ورائحته رائحة العشب والندى الصحيِّ، ولونه أخضر زاهٍ. كانت السيتونية تلعن في قلبها، الطبيعة التي جعلتها مختلفة عن ممثِّلات جنسها الأخريات؛ أو بالأحرى ما جعل جميع السيتونيات الأخريات مختلفات عنها. أخيراً، وعندما وجدت أن إرادتها لا تساعدها على النجاح في شيء، وأنها حاولت جاهدة إرغام نفسها كثيراً ولم تستطع حب الورود، قررت ألا تقاوم ميولها أبداً، بل أن تستسلم لها صراحةً. كانت تفكر أحياناً، محاولة تبرئة نفسها بطريقة مغالطة، وإنامة ضميرها تقول: "وفضلاً عن ذلك، ما هو الملفوف؟ إنه وردة خضراء... إذاً، لماذا لا أحبُّ الملفوف...؟"‏

بعد كل ما قيل، من السَّهل تصوُّر ملاحظات السيتونية الشابة، حول ورقة شجرة الزعرور، حيث تركتها الأم لتطير نحو وردة شهواتها. ولكي نسلّط الضوء على مأساة هذه النّفْس، سنروي بعضاً منها: "شيء حزين أن نُخْلق مختلفين عن الجمهور. لا نعرف لماذا، ولا نعرف كيف يصبح الفرق، فجأة، دونيةً، خطيئةً، وجريمة. ومع ذلك، لا يوجد بين الجمهور وبيني سوى علاقة عدد. مصادفة كون السيتونيات، في غالبيتهن العظمى يحببن الورود؛ من الجيد إذاً، أن نحب الورود. نهج جميل في التفكير. أنا، مثلاً، أحب الملفوف ولا شيء آخر سوى الملفوف. إنني مكونَّة على هذا النحو، ولا أستطيع أن أتغيّر."‏

ومن غير المجدي، من جهةٍ أخرى، نقل أفكار السيتونية التعيسة كاملةً. يكفي القول، كي نبتّ في أمر تفكيرها الطويل إنها طارت نحو شجرة الزعرور، وبعد عدة جولات استكشافية، ذهبت لتحط على ورقة أكبر ملفوفة موجودة، لونها أخضر-مزرق، منتفخة، ومليئة بالضلوع والتجاعيد. وكي لا تلفت الأنظار إليها، تظاهرت بأنها حطّت على الخضرة لترتاح. وبالتالي، اتخذت وضعاً متراخياً؛ فجلست على جنبها وأسندت رأسها على قائمتها. وكان نعم الرأي، لأن سيتونيتين طائشتين مفعمتين بالحيوية، ظهرتا بعد برهة، وأخذتا ترفرفان حولها. ثم صاحتا ثملتين: "ألن تأتي؟ إننا ذاهبتان إلى الورود." ولحسن الحظ أنهما لم تهتَّما في عجلتهما بمراقبة رد السيتونية على دعوتهما. ................وبعد أن ألقت السيتونية نظرة خاطفة حولها، ولحظت عدم ظهور أي سيتونية في الأفق، تظاهرت بأنها تعثَّرت بضلعٍ من أضلع ورقة الملفوف، وتركت نفسها تتدحرج باتجاه قلب الخضرة. وخلال ثانية واحدة، وبعد أن أحدثت فتحةً بضرباتٍ تشنُّجية في الورقة السمينة والغشائية، اختفت داخل قلبها المجعَّد.‏

وماذا نقول أكثر من ذلك؟ هل علينا أن نتوقَّف عند وصف الهيجان الذي فتحت به السيتونية طريقاً لها داخل الملفوفة، وقد أصبحت حرة أخيراً في إطلاق غرائزها المكبوتة، وقد انتشت بالنتانة النباتية التي كانت تفوح من قلب النبتة الشحيم، وكيف وصلت إلى قلب الأوراق البارد واللَّزج؟ وكيف بقيت طوال النهار في الداخل، خائرة القوى، وأمضت فيه نهار سكرٍ وعربدةٍ حقيقيين؟ ....... وعند المساء، انسحبت السيتونية، على مضض، بالممر الذي حفرته في قلب الملفوفة، كما هو مقرَّر، وطارت نحو شجرة الزعرور، إلى المكان الذي حدَّدته أمها لموعدهما. فوجدتها منحنية، تنظر حولها، قلقة لأنها لم ترها تظهر. سألت الأم الشجاعة ابنتها سريعاً كيف سارت الأمور خلال النهار؛ فردت السيتونية صراحة، بأن كل شيء تمَّ على أحسن ما يرام: فالورود متوفِّرة بكثرة. وتفحَّصت الأم وجه ابنتها؛ لكنها اطمأنّت تماماً لملاحظتها بأنه صافٍ وبريء مثلما هو دائماً. قالت لها عندئذٍ: "تصوَّري بأن فضيحة قد تفجّرت... لقد شوهدت سيتونية تدخل تحت أوراق، أكاد لا أجرؤ على أن أكرِّر الكلمة، ملفوفة." وزايدت الابنة قائلة: "يا للهول"؛ لكن سرعة دقات قلبها بدأت تشتد، وأضافت: "ومن كانت؟" أجابت الأم: "لم يستطيعوا تبيُّنها. شاهدوها تدخل تحت الأوراق، وهي تخبِّئ رأسها فيها... لكن، تبعاً لأغمدتها يُظَنُّ أنها فتيّة. شقيّة هي الأم التي جعلها حظها العاثر تلد بنتاً كتلك. وأعترف لكِ بأنني لو كنت أعلم أن لابنتي ميولاً مماثلة، لمتُّ من الألم." وردّت البنت قائلة: "إنكِ على حق. إنها أشياء يرفض العقل حتى تصوّرها." فقالت الأم: "هيا بنا." وطارت السيتونيتان في فتور الغسق، نحو حدائق أخرى، وهما تثرثران.‏

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فاطمه سعد الدين
الادارة
الادارة


المساهمات : 223
تاريخ التسجيل : 30/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: روائع من القصص العالمي   السبت أبريل 12, 2008 1:04 am

القلب الواشي



الكاتب: ادجار آلان بو

ترجمة: عيسى الشيباني

نعم هذا صحيح.. أنا عصبي المزاج.. كنت عصبيا جدا. ولكني لست مجنونا.. لا لست مجنونا.. لا يسمى هذا جنونا. مرضي هذا جعل حواسي أكثر حدة.. لا لم يدمرها ولم يضعفها بل بالعكس زاد من سمعي.. سمعت كل ما دار في السماء من فوقي وفي الأرض من تحتي.. بل حتى سمعت الكثير مما دار في الجحيم.. فكيف إذن تتهمونني بالجنون؟ اسمعوا.. اصفوا الي.. سأروي لكم القصة من ألفها الى يائها.. لاحظوا.. لاحظوا ثقتي بنفسي وهدوء أعصابي وأنا أروي لكم قصتي..
من المستحيل لأحد أن يعرف كيف دخلت الفكرة رأسي ولكن.. ولكن ما إن تبلورت الفكرة في رأسي حتى استحوذت على تفكيري وأصبحت تؤرقني ليل نهار.. لم.. لم يكن لدي سبب أو هدف للقيام بما فعلته.. ولكن.. كنت أحب الرجل العجوز... لم يظلمني أبدا.. ولم يسبق له أن أهانني يوما أبدا.. ولا تعتقدوا أن الذهب الذي يملكه أغراني.. لا.. لا.. لا!!! بل ما كان يهيج تفكيري أعظم من ذلك.. نعم.. أعظم.. انها.. انها عينه.. نعم.. هي.. هي عينه اللعينة.. ولا شيء غيرها.. كانت.. كانت.. عينه أشبه بعين النسر!! عين زرقاء شاحبة اللون.. كانت تحوي قصة ما.. نعم.. وحينما تنظر إلي أشعر ان الدم يتجمد في عروقي.. وبعد ذلك.. بدأت الأفكار تتكون في رأسي الفكرة تلو الأخرى وقليلا.. قليلا قررت.. نعم.. قررت أن أضع حدا لحياة هذا العجوز.. وهكذا.. هكذا أخلص نفسي من تلك العين اللعينة للأبد.. آه.. للأبد..
والآن هذا هو المهم في الموضوع.. تظنونني مجنونا.. آه.. آه.؟. المجانين لا يعلمون شيئا أبدا.. ولو كنت قد رأيتموني فقط.. فقط كيف كنت أمضي بكل ثقة وحذر وبصيرة وكثيرا من التصنع عندما ذهبت لأداء ما أنوي فعله، لم أكن أبدا.. أبدا حنونا على الرجل العجوز مثلما كنت قبل أسبوع من قتله.. نعم.. كنت في غاية الهدوء.. وكنت في كل ليلة أي تقريبا في منتصف الليل أمسك مزلاج الباب وافتحه.. نعم.. بهدوء شديد وعندما أشعر ان
فتحة الباب أصبحت كافية لأن أحشر رأسي، أضع فانوسا مظلما وكل شيء يكون مغلقا.. بل.. بل محكم الإغلاق.. حتى انه لا يرى أي ضوء ومن ثم أحشر رأسي. ها.. ها.. ها كنتم فعلا ستشعرون بالضحك لو رأيتم كيف أدخل رأسي بكل حذر وبعدها أمشي ببط ء شديد.. نعم شديد جدا جدا.. حتى لا أوقظ العجوز المسكين من نومه ها هاها.. ولكن هل تصدقون بأن ذلك استغرق مني ساعة كاملة حتى أستطيع ادخال رأسي من الباب وأرى العجوز وهو نائم بكل هدوء في فراشه... فاهاها.. ها ها هل تظنون بان هناك مجنونا يملك كل هذه الحصافة.. وبعدها وعندما تأكدت بأن رأسي كان داخل الغرفة تماما أطفأت الفانوس بحذر.. أوه بحذر شديد.. شديد جدا- لأنه كان يحدث شيئا من الصرير- أطفأته حتى لم يبق سوى شعاع خافت جدا وقع على عين النسر والتي كانت مغمضة وبذلك تعذر علي إتمام ما كنت أنوي فعله.. لأن ما كان يستثير غضبي ليس الرجل العجوز بل.. بل كانت عينه الشريرة وهذا ما فعلته طوال سبع ليال متواصلة ولكنني في كل مرة أجد عينه مغمضة.. ومع ذلك كنت في كل صباح، وعندما يبدأ النهار.. أذهب الى الغرفة بكل جرأة وأتكلم بكل شجاعة اليه.. أناديه يا عم.. وأستفسر منه كيف قضى ليلته. لاحظوا كم هو عجوز هذا الرجل.. فعلا ليراوده الشك بأنه كل ليلة.. وفي الساعة الثانية عشرة تحديدا.. أنظر اليه وهو نائم في كوخه.
وفي الليلة الثامنة تحديدا كنت أكثر حذرا من بقية الليالي في فتح الباب.. هل تصدقون أن عقرب الدقائق في الساعة على الرغم من بطئه يتحرك بسرعة أكبرهما كنت افعل أنا.. لقد حدث ذلك فعلا وفي تلك الليلة فقط شعرت بمدى قوتي وحصافتي.. لم.. لم.. أكن قادرا على كتم شعور النصر الذي كان يتأجج بداخلي بمجرد تفكيري أنني مازلت هناك - أفتح الباب - شيئا فشيئا.. وهو لم يكن يحلم حتى بما كنت أنوي فعله أو ما أفكر فيه.. ضحكت بخبث على هذه الأفكار الجهنمية.. وربما سمعني لأنه تحرك فجأة في السرير كما لو أن شيئا أفزعه، أعلم أنكم ستفكرون أني هربت ولكن.. لا.. هيهات كانت غرفته سوداء حالكة الظلام كالفحم.. كان الظلام شديدا.. شديدا جدا - فالنوافذ كانت محكمة الإغلاق - وذلك خوفا من اللصوص ولذا عرفت بأنه لا يمكن رؤية فتحة الباب واستمررت أدفعه بثبات، ثبات شديد.. وبهدوء شديد.
في تلك اللحظة كان رأسي أصبح داخل الغرفة تماما وكنت على وشك إشعال الفانوس، حين انزلق ابهامي من على الفانوس فنهض العجوز مفزوعا وصرخ "من هناك ؟ من ؟.." بقيت صامتا ولم أنبس بكلمة. لساعة كاملة لم أحرك حتى عضلة واحدة، وطوال ذلك الوقت لم يضطجع العجوز كان لايزال منتصبا في السرير يستمع.. وكما فعلت ليلة بعد أخرى، أجده.. يصغي لساعات الموت تتردد بين الجدران، وفي هذا الوقت سمعت تأوها وعرفت انه أنين الرعب والهلاك.. لا... لا لم تكن تلك صرخة ألم أو حزن لا.. بل هو ذلك الأنين الضعيف الذي ينبع من باطن الروح عندما تزيد رهبتها نعم.. نعم.. عرفت الصوت جيدا.. كان الكثير منه في تلك الليلة.. بل في منتصف كل ليلة.. وعندما يكون الجميع نياما.. يتدفق هذا الصوت من صدري عميقا ومخيفا جدا.. ذلك الرعب الذي لم يضايقني سواه وأنا أحاول إتمام ما كنت أنوي فعله.. أخبرتكم أني أعرف جيدا!! كنت أعلم ما هو إحساس العجوز وكنت أشعر بالشفقة تجاه هذا المسكين بالرغم من أني في الواقع كنت أضحك عليه وعلى طيبته الزائدة، عرفت أن المسكين كان مستلقيا ولكنه ظل يقظا بعد الهلع الذي سيطر عليه في المرة الأولى.. حينما انقلب في سريره. وكان رعبه يزداد لحظة إثر أخرى.. وكان.. وكان يحاول الا يعيرها أي اهتمام ولكن لم يستطع فعل ذلك. كان يردد في نفسه دائما لا شيء... لم يكن إلا صوت الرياح في المدخنة... أو لعله فأر يمشي على الأرض... لا... لا لا.... بل إنه صوت صر صار الليل. نعم... إنه... هو... دون جدوى... نعم دون جدوى... لأن الموت كان يطارده كظله بل أكثر من ذلك وكان تأثير الشعور بالموت، الموت على الضحية شديدا جدا... وكانت شدة تأثره تدعو للرثاء وهو في هذه الحالة المؤسفة عندما أحس بالظل على الرغم من انه لم يكن مرئيا... وهذا هو سبب هلعه - على الرغم من انه لم ير أو يسمع أي شيء- بل لم يشعر حتى بدخول رأسي في هذه الغرفة.
وانتظرت طويلا كان لا يزال منصبا لم يحرك ساكنا... ولذلك وبهدوء كبير صممت علي فتح الباب قليلا واستطعت أن أحدث شقا صفيرا جدا جدا يدخل منه ضوء الفانوس.
وهكذا فتحت الباب... ولا يمكنك أن تتخيل كيف أنه وبكل خلسة كنت أحاول إشعال الفانوس.. حتى أخيرا استطعت أن أشعل شعاعا خافتا مثل خيط العنكبوت، انطلق من الشق ووقع على عين النسر مباشرة.
كانت الفتحة واسعة جدا.. جدا جدا، استطعت من خلالها النظر ولكني شعرت بالقشعريرة في عظامي عندما حدقت فيه.. ورأيت التباين التام في عينه كانت زرقاء باهتة بالكامل ولكني لم أستطع رؤية أي شيء من وجهه أو جسد الرجل العجوز فلقد وجهت الشعاع كما لو كان بالغريزة على العين الملعونة.
ولكن ما لم أخبركم به ان ما كنتم تعتقدون خطأ انه جنون لم يكن إلا حدة في الحواس.... والآن أقول لكم هنالك وفي تلك اللحظة تهادى إلى أذني صوت ضعيف.. كان صوتا غامضا.. وسريعا.. مثل صوت عقارب الساعة عندما تكون مغطاة بالقطن... وكنت أعرف ذلك الصوت جيدا أيضا.. كان.. كان كانت نبضات قلب الرجل العجوز.. ولكنها زادت من خوفي كانت دقات قلب العجوز أشبه بصوت الطبول عندما تحفز الجنود للحرب. ومع كل ذلك جلست ساكنا وانتظرت. وكنت قليلا ما أتنفس.. حتى لا يحس العجوز بي. أمسكت بالفانوس وكنت خالي المشاعر، وأثناء ذلك زادت دقات قلبه البغيضة.. وكانت تزداد وبسرعة كبيرة... بسرعة !!!
وكانت في كل مرة تزداد.. وتزداد... وتزداد.. ويبدو أن الرعب الذي كان يعيشه الرجل العجوز قد وصل حده.. وكان الصوت يزداد.. نعم.. يزداد.. كنت أسمعه جيدا.. كان يزداد في كل لحظة.. هل رأيتم ما فعلته.. لقد كنت مضطربا نعم لقد كنت كذلك. وفي تلك اللحظة وفي الساعة الأخيرة من الليل فكرت في أن أبدأ المهمة ولكن الخفقان بدأ يزداد وبدأ يتردد عاليا حتى أنني ظننت أن القلب سينفجر، وفي هذه اللحظة زاد اضطرابي... كان بإمكان الجيران سماع الصوت،، أخيرا، لقد.. لقد حانت ساعة العجوز وعينه اللعينة..!!!
وبصرخة كبيرة.. اقتحمت الغرفة والمصباح في يدي.. فذهل العجوز المسكين وحاول الصراخ.. نعم لقد حاول فعل ذلك.. ولكنها.. لكنها كانت صرخة واحدة فقط ترددت بين جدران ذلك الكوخ.. فهويت عليه وطرحته أرضا.. وقلبت سريره الثقيل عليه.. بحركة واحدة.. وبعد هذا كله.. تملكني شعور بالزهو والفخر بما فعلته وأخذت في الضحك.. ها ها ها... ومن ثم اردت التأكد من موت العجوز زي العين اللعينة.. فأزلت السرير لأرى الجثة.. لقد.. لقد.. كان بلا حراك كالصخر.. كان ميتا فعلا.. ولكن ليزيد اطمئناني وضعت يدي على قلبه وتحسست نبضه لعدة دقائق.. لم يكن هناك أي نبض.. لم أحس بأي شيء أبدا.. وكانت مشكلتي في الوقت فقط.
لم تظنون أني مجنون.. أخبركم للمرة الألف أن هذا ليس بجنون.. أوه.. أوه ليس جنونا.. أنا أعلم أنكم لن تستمروا في الظن بي عندما أصف لكم حكمتي التي طبقتها على هذا العجوز لاخفاء جثته من على البسيطة.. كنت دائما أعمل بجد.. وأول شيء فعلته.. هو تشويه الجثة حتى ضاعت معالمها فقمت بفصل رأسه ويديه ورجليه عن بقية جسده. وبعدها أخذت ثلاثة ألواح من أرضية الكوخ.. وضعت كل الأجزاء بين الخشب وبعدها.. أعدت وضع الألواح بذكاء حتى لا يمكن للعين البشرية أن ترى ما قد تم فعله.. حتى عينه هو.. لم يكن هناك أي بقايا من الجثة تستدعي تنظيف الكوخ.. لم يكن هناك أي نوع من الأوساخ أو أي قطرات دم.. كنت قلقا من ذلك.. ولكن حوض الاستحمام تكفل بذلك كله.. هاهاها.
وعندما انتهيت من هذه المهمة كانت الساعة تشير إلى الرابعة، ولكن الجو في الخارج كان مظلما.. وكأنه منتصف الليل.. وعندما ضرب الجرس معلنا تمام الساعة سمعت طرقا على الباب.. ذهبت لفتح الباب وكنت أشعر بالارتياح لأنه لا يوجد الآن شيء أخاف منه. وهناك دخل ثلاثة رجال.. والذين قدموا أنفسهم.. أنهم محققون من الشرطة.. وأنهم جاءوا عقب إبلاغ جار الرجل العجوز عن سماعه صرخة أثناء الليل مما أثار شكه حول وقوع جريمة فظيعة في بيت العجوز المسكين. فأخبر الشرطة بما لديه من معلومات ومن ثم تم تفويضهم للبحث في المنزل وملحقاته للتأكد من ذلك. وابتسمت.. لا يوجد ما أخاف منه الآن؟ رحبت بالرجال وأوضحت لهم أن الصرخة كانت عندما كنت أحلم وصرخت في حلمي.. لقد كان الرجل العجوز- كما ذكرت لهم ~ غائبا عن البلدة.. أخذت هؤلاء الزائرين في كل انحاء البيت وقلت لهم أن يبحثوا.. يبحثوا جيدا.. في كل مكان.. على طول كوخه.. وأطلعتهم على الكنوز التي يملكها.. كيف هي آمنة ولم يلمسها أحد.. وفي قمة حماسي لثقتي الزائدة بنفسي أحضرت لهم كراسي إلى الغرفة.. ونصحتهم بان يرتاحوا قليلا من الإرهاق.. ووضعت الكرسي الذي أجلس عليه في البقعة التي توجد تحتها جثة الرجل العجوز..
كان المحققون مرتاحين. وكأن طريقتي أقنعتهم.. وكانوا يتكلمون في أمور أخرى وأجاوب على أسئلتهم بكل سرور.. غير أن هذا لم يدم طويلا.. فقد شعرت بالخوف يتسلل إلى داخلي.. وتمنيت لو أنهم ذهبوا.. أصبت بالصداع.. وتخيلت صوت رنين في أذني.. ولكنهم جلسوا يثرثرون ويثرثرون.. وبدأ الرنين يظهر أكثر وأكثر.. واستمر الصوت.. وكل مرة يتضح أكثر فأكثر.. حاولت التكلم بجدية وبصرت أعلى.. لأتخلص من هذا الشعور.. لكنه استمر.. وفي كل مرة يكتسب وضوحا..
أكثر من ذي قبل.. وحتى اكتشفت بعد ذلك أن الصوت لم يكن في أذني.. لا.. لم يكن.. كذلك لم يكن هنالك شك أن الاضطراب بدأ يظهر علي.. ولكنني استمررت بالكلام بطلاقة لكثر.. ولكن الصوت لايزال.. يزيد.. ما الذي يمكنني فعله؟ كان صوتا منخفضا وبغيضا وسريعا.. كالذي يظهر من حركة عقارب الساعة عندما تكون موضوعة في وسط.. ثوب من القطن.. حاولت التنفس بشدة ومع ذلك لم يسمع المحققون ما كنت أفعله.. تكلمت بسرعة أكثر.. وعنف أكثر.. ولكن في كل مرة كانت الضوضاء تزيد أكثر وأكثر.. نهضت وبدأت أتحدث عن مواضيع تافهة. وقمت بحركات عنيفة.. مصاحبة لكلامي.. لكن الضوضاء.. ازدادت.. وكنت أتساءل لماذا لم يغادروا حتى الآن.. قطعت الأرض جيئة وذهابا.. بخطوات ثقيلة.. كما لو كنت متضايقا منهم.. وأخبركم الصراحة لقد كنت خائفا ومتضايقا من مراقبة الرجال لي ولكن الضوضاء كانت تزداد بسرعة كبيرة.أوه يا إلهي ما الذي يمكنني فعله؟ صرخت.. وانفعلت.. ولعنت.. ومسكت الكرسي.. وحطمته على جوانب الغرفة.. واستمر الصوت.. يطو.. ويطو.. ويطو.. ومازالوا يثرثرون بكل بهجة وابتسام.. هل من الممكن أنهم لم يسمعوا إلى الآن هذا الصوت.. يا الله.. لا.. لا.. أكيد أنهم قد سمعوا ذلك.. أنا متأكد.. اعتقد هذا.. نعم.. لقد علموا بكل شيء.. ولكنهم كانوا يسخرون من الفزع الذي كان يتملكني.. هذا ما اعتقدته وما أفكر فيه.. كل شيء يمكن تحمله.. إلا هذه السخرية.. لم استطع تحمل هذه السخرية أكثر من ذلك وشعرت أنه يجب علي أن اصرخ أو أن أموت ولكن.. ولكن.. مرة أخرى.. أسمع الصوت.. أعلى.. فأعلى.. ثم أعلى..
"أيها الأشرار.. أيها المنافقون الكاذبون" هكذا صرخت فيهم بكل قوتي "لا اريد المزيد من هذا النفاق الزائف.. أي أعترف بما فعلته.. كسروا هذه الألواح الخشبية.. هنا هنا.. فقط يوجد.. هذا هذا.. الخفقان البغيض"..

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فاطمه سعد الدين
الادارة
الادارة


المساهمات : 223
تاريخ التسجيل : 30/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: روائع من القصص العالمي   الثلاثاء أبريل 15, 2008 8:06 am

الصدمة(قصة قصيرة) عربي/ألماني

الصدمة (قصة قصيرة)


قصة: يوسف الحربي



أخذ مكانه المعتاد في المقهى ,المكان الذي أفرغ فيه سنوات عديدة من حياته هو
ورفاقه الثلاثة (فنجان القهوة .الأرجيلة.الصحيفة).أصبحوا علامة فارقة في هذا
المقهى .تبدأ الطقوس برشفة من القهوة تعقبها أنفاس متوالية من الأرجيلة ثم يبدأ
بتصفح الجريدة إبتداء من الصفحة الأولى ..عفواً الصفحة الأولى لديه هي التي
تتواجد فيها مقالة كاتبه المفضل سمير فاضل .يحلق مع كلماتها ,يغوص في أعماقها
,غالباً ما يجد نفسه بين سطورها وما إن ينتهي منها حتى يحلق ثانية ولكن نحو حلم
رافقه سني حياته .أن يصبح كاتباً متميزاً كسمير فاضل .
إعجابه بهذا الكاتب وصل حد الهوس ..حد الحسد ..شهرة ..مال ..حظوة عند علية
القوم ..حياة ترف ودعة ..شاهده مراراً في التلفاز ..لم يكن بذاك المتحدث اللبق
ولا المحاور الجيد ولكنه قلم يقطر جمالاً وإبداعا ...إمتدت به مسافات التفكير
الطويلة .وقف في إحدى التقاطعات عندما حانت منه التفاتة عفوية صوب المقعد
المجاور والذي غالباً ما يحتله شاب نحيل الجسم يقضي وقته بين قلم وورقةوسيجارة
.لا تسمع له صوتاً كأنما هو أبكم .كان المكان خالياً إلا من ورقة تركها الشاب
بعد رحيله .إمتدت يده بفضول نحوها وبدأ يقرأ ..كان حديثاً شيقاً يبحث في الحب
المفقود في هذا الزمن .الحب الذي وئد في عصر طغيان المادة , المشاعر الجميلة
التي إبتلعتها لجة المصالح الشخصية ..أحرف صادقة رصفت بعناية واقتدار..أعاد
قراءتها مرة أخرى ثم طوى الورقة ووضعها في جيبه الى حين .

في اليوم التالي وفي ذات المقهى
_مساء الخير أستاذ
_أهلاً مساء النور
_عفواً ..يبدو أن هذه الورقة سقطت منك بالأمس .
_آه ..شكراً ..فعلاً لقد نسيتها
_مقالة رائعة .
_شكراً لهذه المجاملة اللطيفة
_العفو ليست مجاملة ..بل حقيقة ..
_أكرر شكري
إنتهى الحديث ولم تنتهي القصة بعدما إن أخذ مكانه المعتاد في المقهى حتى بادره الجرسون بالقهوة والأرجيلة .بدأ يقلب في صفحات الجريدة وهو يداعب فمه بمبسم الأرجيلة . وقعت عيناه على صورة
كاتبه المفضل سمير فاضل وهي تعلو مقالته اليومية ..قرأ سطورها الأولى وسرعان ما
وضح عليه الإهتمام والإنفعال ..تجهم وجهه كأنما وقعت عيناه على أمر جلل ..كانت
المقالة تبحث في الحب المفقود في هذا الزمن ..الحب الذي وئد في عصر طغيان
المادة .المشاعر الجميلة التي ابتلعتها لجة المصالح الشخصية ...طوى الصحيفة ثم
ألقاها جانباً ..ارتشف ما تبقى من القهوة الباردة ..أخذ نفساً من الأرجيلة
القابعة عند قدميه ثم نفث الدخان بقوة وطفق يراقب سحب الدخان المتصاعدة


Schock


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
butterfly

avatar

المساهمات : 61
تاريخ التسجيل : 01/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: روائع من القصص العالمي   الخميس أبريل 17, 2008 1:52 pm

يوم الميلاد الكئيب

بتريسيا فونتين



ترجمة : ياسمينة صالح

دن... دن... دن..
حركت السيدة "كلوديا لوروا" حواسها تلتقط دقات الساعة الجدارية الضخمة.. امتزجت الدقات التسعة بدقات قلبها، فرفعت أهدابها المبيضة، ونظرت إلى الساعة مرة أخرى.
-التاسعة تماماً.
نهضت من مقعدها الهزاز مستندة على عصاها، واقتربت من النافذة مجهدة.. أحست أنها بذلت جهداً كبيراً للوصول إلى نافذة الصالة، والحال أنها لم تعد تحتمل هذا النوع من الجهد وقد تجاوزت الثمانين من العمر، لهذا السبب اشترى لها أبناؤها الثلاثة كرسياً متحركاً ليساعدها على التنقل من مكان إلى مكان –لكنها- في هذه الليلة بالذات لا تشعر بأدنى رغبة في استعمال كرسيها المتحرك، فالليلة مميزة بالنسبة إليها.. إنها ليلة عيد الميلاد، وهذا معناه أن العائلة كلها سوف تحط رحالها عندها، في سهرة مملوءة بالدفء والفرح.. ابتسمت في سرها وهي تتخيل شكل السهرة العائلية.. أبناؤها الثلاثة "هنري"، "روبرت"، "ديمتري" وزوجاتهم وأبناؤهم..
ككل ليلة عيد ميلاد يأتون حاملين الهدايا والبهجة والقبلات الحارة التي تملأ قلبها فرحاً وأمناً، فتشعر السيدة "كلوديا" بأنها أقل وحدة عما تصورته منذ رحيل زوجها "شارل" إلى العالم الآخر.
"أجل.." قالت في نفسها.. "سيمتلئ البيت بالضجيج والضحك وسوف نجتمع كلنا حول مائدة العشاء المكتظة بأنواع شهية من الديك الرومي المحمر، وسوف يغنون للعيد حتى يدركهم التعب في ساعات الصباح الأولى، ليذهب كل واحد إلى غرفته، وكانت قد أشرفت على ترتيبها بمساعدة خادمتها "جوليا" التي بدت في حالة مزرية من كثرة أوامر سيدتها.
كانت الشوارع تبدو شبه خالية تحت تساقط المطر.. التمع البرق فجأة، فتركت الستارة تسقط، وعادت مجهدة إلى مقعدها مرة أخرى..
في مثل سن ووضع السيدة "كلوديا لوروا"، الوحدة كالغول، ومع ذلك لا أحد يبدو مهتماً بأمر كهذا.. منذ مات "شارل" تركها الجميع لقدرها وبدورها عز عليها الاعتراف للآخرين أنها تعيش وحدة بوجود "جوليانا" معها صحيح أن "جوليانا" مجرد خادمة لكنها موجودة معها تحت أمرها في الليل والنهار وحدتها جعلتها إلى الخادمة نظرة احتياج عاطفي.
-لابد أنهم على وصول!
قالتها مصممة، وحركت حواسها على صوت أبواق سيارات قادمة.. نهضت من مقعدها فرحة، وتوجهت شبه راكضة نحو النافذة لتصطدم بالخيبة وهي ترى الزوار فقد جاءوا للبيت المقابل.. وخزها قلبها، فعادت إلى مقعدها متوجعة.
"دن.. دن.. دن..
نظرت إلى الساعة الجدارية الضخة.. العاشرة.. في تلك اللحظة ظهرت "جوليانا" مقتربة بخطوات رتيبة.. قالت بصوت ضجر:
-إنها العاشرة يا سيدتي!
-أعرف أنها العاشرة، أو تعتقدينني صماء؟
لكن، سرعان ما أحست بالذنب من ثورتها على خادمتها.. قالت كأنها تعتذر لها:
-سيأتون حتماً يا "جوليانا" أليس كذلك؟
ولاحت على شفتي "جوليانا" ابتسامة مشفقة وقالت:
-أجل سيدتي، لابد أنهم على وصول.. ككل أعياد الميلاد.
فجأة، رن جرس الهاتف.. بأمر من عيني السيدة "كلوديا" رفعت "جوليانا" السماعة:
-منزل السيدة "كلوديا لوروا"، نعم..؟
-..............
-أهلاً سيدي "هنري"..
_..............
كانت الأمطار قد ازدادت تساقطاً عندما اقتربت "جوليانا" من سيدتها لتقول لها بصوت يشبه العزاء:
-إنه السيد "هنري" يعتذر باسم الجميع، ويقول إنهم لن يأتوا هذه الليلة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
روائع من القصص العالمي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى فاطمه سعد الدين :: نــبض المشاعر.. :: منتدى النثر والقصه والروايه-
انتقل الى: